فخر الدين الرازي
162
تفسير الرازي
اعلم أنه تعالى لما بين صلاتهم في عباداتهم البدنية ، وعباداتهم المالية ، أرشدهم إلى طريق الصواب وقال : * ( قل للذين كفروا إن ينتهوا ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : * ( قل للذين كفروا ) * أي قل لأجلهم هذا القول ، وهو : * ( إن ينتهوا يغفر لهم ) * ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل : إن تنتهوا يغفر وقال ابن مسعود هكذا . المسألة الثانية : المعنى : أن هؤلاء الكفاء إن انتهوا عن الكفر وعداوة الرسول ، ودخلوا الإسلام والتزموا شرائعه غفر الله لهم ما قد سلف من كفرهم وعداوتهم للرسول وإن عادوا إليه وأصروا عليه فقد مضت سنة الأولين . وفيه وجوه : الأول : المراد فقد مضت سنة الأولين منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر . الثاني : فقد مضت سنة الأولين الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم الذين قد مروا فليتوقعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا . الثالث : أن معناه أن الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصي وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين وهي قوله : * ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) * ( المجادلة : 21 ) * ( ولقد سبقت كلمتنا ) * ( الصافات : 171 ) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر * ( أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) * ( الأنبياء : 105 ) . المسألة الثالثة : اختلف الفقهاء في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا ؟ والصحيح أنها مقبولة لوجوه : الأول : هذه الآية ، فإن قوله : * ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) * يتناول جميع أنواع الكفر . فإن قيل : الزنديق لا يعلم من حاله أنه هل انتهى من زندقته أم لا ؟ قلنا : أحكام الشرع مبنية على الظواهر ، كما قال عليه السلام : " نحن نحكم بالظاهر " فلما رجع وجب قبول قوله فيه . الثاني : لا شك أنه مكلف بالرجوع ولا طريق له إليه إلا بهذه التوبة فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا يطاق . الثالث : قوله تعالى : * ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ) * ( الشورى : 25 ) . المسألة الرابعة : احتج أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع ، قالوا لأنهم لو كانوا مخاطبين بها ، لكان إما أن يكونوا مخاطبين بها مع الكفر أو بعد زوال الكفر . والأول باطل بالإجماع ، والثاني باطل ؛ لأن هذه الآية تدل على أن الكافر بعد الإسلام لا يؤاخذ بشيء مما مر عليه في زمان الكفر وإيجاب قضاء تلك العبادات ينافي ظاهره هذه الآية . المسألة الخامسة : احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء